محاولات الإيقاع بين الأتراك والسوريين

لا يدَّخر النظام السوري وحلفاؤه جهدا في السعي للإيقاع بين الأتراك وضيوفهم اللاجئين السوريين، وتحريض الطرفين أحدهما على الآخر. وتشاركهم في ذلك قوى دولية وإقليمية ومنظمات إرهابية منزعجة من الموقف التركي الداعم للثورة السورية، بهدف خلق حالة الارتباك وعدم الثقة لدى الأتراك والسوريين، وإشغال بعضهم ببعض، إلا أن جميع المحاولات فشلت حتى الآن، لإدراك الطرفين حجم المؤامرة وخطورتها.

الأحداث التي تصب الزيت على النار لم تنتهِ منذ فتح تركيا حدودها أمام الهاربين من جحيم النظام السوري وإعلان أنقرة موقفها من الثورة. وكانت بعض تلك الأحداث ردة فعل عفوية وفردية كنتيجة طبيعية لعملية التحريض الممنهجة التي تقوم بها وسائل إعلام وأحزاب معارضة، إلا أن بعضها كانت مدبرة بليل ونفذتها أيادي مشبوهة لاستغلالها إعلاميا على نطاق واسع سواء في الداخل أو الخارج.

كانت العاصمة أنقرة شهدت قبل حوالي شهر توترا بين العمال العراقيين من الأصول التركمانية والمواطنين الأتراك، على خلفية تأخر دفع أجور العمال. وحاولت آنذاك أطراف معارضة للحكومة أن تثير فتنة في الشارع التركي وتحرِّض المواطنين على اللاجئين والحكومة التي تقف إلى جانبهم، على الرغم من أن اللاجئين السوريين لم يكونوا طرفا لتلك المشكلة. 

محافظ أنقرة، أرجان طوباجا، ذكر السبت في بيان أن السلطات التركية قامت قبل أيام بترحيل ثمانية عملاء أجانب كانوا يحرضون المواطنين الأتراك ضد اللاجئين السوريين، لا سيما في المناطق التي يقطنها السوريون بشكل كبير، مشيرا إلى أن هؤلاء العملاء كانوا يروِّجون بين المواطنين الأتراك إشاعات مفادها أن الحكومة التركية تفضل اللاجئين السوريين على المواطنين.

الحدود التركية السورية هي الأخرى تشهد أحداثا مشبوهة تستهدف السوريين الذين يحاولون العبور إلى الأراضي التركية. وفي آخر تلك الأحداث، قام عدد من الجنود الأتراك في محافظة هاطاي جنوب البلاد بإلقاء القبض على أربعة من الشبان السوريين أثناء تسللهم إلى تركيا بطرق غير شرعية، وانهالوا عليهم بالضرب والشتم. 

رئاسة الأركان التركية فتحت تحقيقا حول هذه الحادثة، واتضح أن أحد هؤلاء الجنود قام بتصوير كل ما جرى بهاتفه المحمول، ثم أرسلها عبر تطبيق “واتس آب” إلى سيدة تقيم في ألمانيا، كما أكد الخبراء المختصون أن المقطع المسجل تم نشره من خارج تركيا. وبعد توقيف الجنود الأربعة المتورطين في الحادثة، والتحقيق معهم، تمت إحالتهم إلى المحكمة التي قضت الاثنين بحبس ثلاثة منهم فيما أخلت سبيل الرابع.

تسجيل الحادثة وإرسال المقطع إلى الخارج لنشره عبر مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي يشير إلى أن هذه الحادثة قد تكون مدبرة لتشويه سمعة تركيا التي فتحت أحضانها لحوالي ثلاثة ملايين سوري هارب من الموت، واتهام الجيش التركي بانتهاك حقوق الإنسان قبيل عملية عسكرية أخرى يستعد للقيام بها في شمال سوريا على غرار عملية درع الفرات. ومن المؤكد أن محاكمة الجنود المتورطين في الحادثة ستكشف هل هي جريمة مخططة أم لا، ومدى ارتباطهم بتنظيمات إرهابية أو جهات خارجية.

عموم الشعب التركي يرفض الإساءة إلى اللاجئين السوريين، سواء في الأماكن التي يقطنون فيها داخل تركيا أو في المناطق الحدودية، ويطالب بمحاكمة المتورطين في مثل هذه الأحداث، ويؤيد معابتهم، الأمر الذي يُفشِل الأعمال الاستفزازية المدبرة ومحاولات إثارة الفتنة بين الأتراك والسوريين، في تحقيق أهدافها.

رئاسة الأركان التركية قامت بما يجب عليها في الحادثة الأخيرة، مؤكدة أن مثل هذه التصرفات من الجنود لا يمكن قبولها بأي حال. وهذا موقف مشرف يتوافق مع موقف الشعب التركي الداعم لثورة الشعب السوري والرافض للإساءة إلى أبنائه، كما أنه موقف لا يحد من قدر الجيش التركي بل يرفعه.

الحدود التركية السورية تشهد إجراءات أمنية مشددة لمنع تسلل الإرهابيين، سواء من عناصر تنظيم داعش أو من عناصر حزب العمال الكردستاني. ومن حق تركيا أن تتخذ كافة التدابير اللازمة لضبط الحدود ومنع التهريب والدخول إلى الأراضي التركية عبر طرق غير شرعية، إلا أن ذلك يجب أن يتم في الإطار القانوني والأخلاقي والإنساني، ودون انتهاك حقوق الإنسان والإساءة إلى كرامته.

هل فعلاً فقدت سوريا انتماءها المذهبي وهويتها القومية؟

اكتب تعليق